ابن حزم
22
رسائل ابن حزم الأندلسي
بالتصنيف ؛ وقد كان في مقدور الفهرست أن يوحي بإعادة النظر في تصنيف العلوم ، ولكنه لم يفعل إلا في حدود يسيرة . في هذا السياق المشرقي المتدرّج يجيء ابن حزم ( 456 / 1046 ) في أقصى المغرب ( في الأندلس ) ليمثّل وقفة هامة لأنها تجاوزت ما تمّ في المشرق ، وإن كان صاحبها قد تأثّر بما حققه المشارقة في هذا الميدان . فقد انطلق ابن حزم نحو الحديث عن العلوم وتصنيفها من موقعين : الأول صلته بالمنطق والفلسفة ، وهي صلة تكاد تلزم صاحبها بالوقوف عند العلوم ومقدمات كل علم وكيفية أخذ تلك المقدمات ، وهذا ما تصدّى له في كتاب التقريب لحدّ المنطق ، والثاني نزعة التدين العملي التي كانت توجه تلامذته إلى سؤاله عن العلوم وما ذا يأخذون منها وما ذا يتركون ، وهذا ما عرض له في رسالتيه « مراتب العلوم » و « رسالة التلخيص لوجوه التلخيص » . ومن الغريب أن ابن حزم في التقريب قد تناهى في التبسيط فلم يعبأ بتلك النظرة الشمولية التي وضعها الفارابي ولا بتلك التصنيفات الأرسطاطاليسية التي تمسّك بها ابن سينا ، ولم يعر التقسيم الثلاثي أدنى اهتمام ، بل اكتفى بتسمية العلوم الدائرة بين الناس في زمنه فوجدها على طريق الحصر اثني عشر علما ( ينتج عنها علمان ) فعدّها دون أن يراعي - إلا قليلا - ثنائية الانقسام بين العلوم الإسلامية وعلوم الأوائل وهي : علم القرآن . علم الحديث . علم المذاهب . علم الفتيا . علم المنطق . علم النحو . علم اللغة . علم الشعر . علم الخبر . علم الطب . علم العدد والهندسة . علم النجوم ( وينتج عنها علم البلاغة وعلم العبارة ) « 1 » ؛ وفي هذه التسمية رغم بساطتها نجد أن ابن حزم قد ذكر علمين لم يكن لهما ذكر من قبل وهما علم المذاهب وعلم الفتيا ؛ وأكد حرصه على علم العبارة ( تعبير المنامات ) وعلم الخبر ، ووضع البلاغة في نهاية العلوم الأصلية كما فعل مؤلف الرسالة المنسوبة لأبي حيان ؛ ولا نظن أن ابن حزم قد زاد علما جديدا على ما كان معروفا ، فعلم المذاهب يمكن أن يستنتجه كلّ من قرأ « الفهرست » ، وهو تسمية جديدة لعلم الكلام توسّع من حدوده أو تضيّق بحسب مفهومات المذهب الظاهري « 2 » ، مثلما أنّ علم الفتيا تسمية جديدة لعلم الفقه ( توسع من حدوده أو
--> ( 1 ) التقريب لحد المنطق ( الطبعة الأولى ) : 201 . ( 2 ) أشار إليه ابن حزم في موضع آخر من التقريب ( ص : 10 ) باسم « علم النظر في الآراء والديانات والأهواء والمقالات » .